الشيخ محمد الصادقي
153
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
فقد يكون القصد من إحيائهم ثم إماتتهم إظهار حجة رسالية ، بجنب ما قصد فيه إلى تصحيح التصور عن الموت والحياة وأسبابهما الظاهرة ، وحقيقتهما المضمرة ، ورد الأمر النهائي فيهما إلى ساحة الربوبية ، والمضي في حمل المسئوليات الحيوية دونما هلع لا جزع ، فالمقدر كائن لا محالة ، والموت والحياة هما بيد اللّه القادر المتعال . فلا الحذر من الموت المقدر المحتوم يجدي ، ولا الفزع والهلع يزيدان في حياة ، أو يردان قضاء مبرما . انه ليس ليعني حرمة الفرار عن الموت بأسبابه الظاهرية ، فإنه واجب كل حيّ ، وفطري لكل حي ، وانما يعني التنديد بمن يفرون عن الزحف ، أو لا يشاركون في النضال حذر الموت ، فحين يفرض التعرض للموت بغية إحياء الكتلة المؤمنة ، والحياة الآمنة ، فهنا التخلف عنه فرارا عن الموت إدغال وضلال . كما أن التعرض للموت دونما أمر أهم هو ضلال وإدغال ، وحتى المناضل الذي يتهاون في خط النار ، ولا يحافظ على نفسه ، ولا يناضل بقوة وصلابة هو أيضا ضال . وترى ان موتهم الجماعي كان بنفس السبب الذي خرجوا من ديارهم حذره ، أم بسبب آخر لم يكونوا يحتسبون ؟ قد تلمح « فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا » انه كان بغير ذلك السبب ، كلمحة ثانية من « ثُمَّ أَحْياهُمْ » إذ لم يكن هناك سبب ظاهر لحياتهم بعد موتهم ، ومهما كان ظاهر السبب الذي فروا منه سببا ، ولكن الموت الجماعي بما « قال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا » يلحّق بسببه الظاهر سببا ربانيا خفيا يموّتهم ثم يحييهم ، مهما كان اللّه المسبب للثاني هو المسبب للأول . وقد تلمح « إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ » أنّ في إحياءهم فضلا عليهم